languageFrançais

عيد الجلاء.. يوم تُوّجت فيه مسيرة الكفاح الوطني باسترجاع السيادة

يعدّ تاريخ 15 أكتوبر 1963، محطة مشعة في رحلة الجلاء الكاملة التي حققتها تونس في ستينيات القرن الماضي، بإجماع كل المؤرّخين الذين يرجح العديد منهم أن مسيرة عيد الجلاء قد انطلقت منذ أن اختارت حركة التحرير الوطني النهج العسكري لدحر المستعمر من أراضيها في 18 جانفي 1952.

ويرى عديد الدارسين للتاريخ التونسي في حقبة النصف الثاني من القرن العشرين، أن الانعتاق الكامل من بوتقة الاستعمار كان نتيجة لسلسلة محكمة الحلقات من التراكمات النضالية، انتهت بخروج آخر أميرال في البحرية الفرنسية يدعى "فيفيان مينار" من القاعدة العسكرية والبحرية في بنزرت يوم 15 أكتوبر 1963، إيذانا بانتهاء الوجود العسكري الفرنسي بشكل كامل في تونس.

ولا يفصل هؤلاء المؤرخين لمشهدية التاريخ المعاصر، بين الدماء التي سالت في صفوف الفلاقة (مجموعات مسلحة لمقاومة الاحتلال الفرنسي في الجبال والأرياف التونسية) مطلع خميسنات القرن الماضي، أو شهداء أحداث 8 فيفري 1958 في ساقية سيدي يوسف (مجزرة ارتكبها جيش الاحتلال الفرنسي ضد هذه القرية الحدودية (ولاية الكاف) خلال حرب التحرير الجزائرية)، أو قرار الحكومة التونسية الفتية في السنة نفسها بدحر بقايا الاحتلال العسكري الفرنسي، وخوض معركة الجلاء النهائي، إذ رغم الحصول على الاستقلال السياسي عام 1956، بقيت عدة قواعد وثكنات فرنسية مرابطة في تونس وتضم آلاف الجنود، وهو ما اعتبرته الدولة التونسية أنذاك مساساً بسيادتها.

وفي هذا الاطار، قال المعز بالله العلايمي باحث وأكاديمي متخصص في علم الاجتماع السياسي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، إن معركة الجلاء هي اثبات تاريخي على أن تونس لم تكن لترضى بوثيقة الاستقلال دون ترجمة ميدانية له، وأن المعركة الميدانية كانت ضرورية رغم عدم تكافؤ موازين القوى بين" الجندية التونسية الوليدة " على حد تعبيره، والقوة الإستعمارية الفرنسية.

وأفاد العلايمي في تصريح لوكالة تونس أفريقيا للأنباء، بأن الورقات البحثية في الأرشيف الوطني، تشير الى وجود قرابة 700 شهيد وأكثر من 1500 جريح في معركة الجلاء، معتبرا أن الرقم الحقيقي لشهداء المعركة يتجاوز ذلك بكثير وقد يصل إلى حدود 5000 شهيد، وفق تقديره.

 

الحنكة الديبلوماسية التونسية.. الورقة الرابحة في معركة الجلاء

وأضاف العلايمي أن رهان المعركة في تلك الفترة كان يحمل بعدا جيو-استراتيجيا، حيث أن القوة العسكرية الفرنسية أرادت أن تبقي على ميناء بنزرت كقاعدة متقدمة جنوب حوض المتوسط، قبل أن تقبر نواياها أمام التكاتف الشعبي والمغاربي والحنكة الديبلوماسية التونسية التي توفقت في تدويل القضية من خلال التعبئة الأممية وجعلها مسألة رأي عام عالمي.

وأوضح في هذا الصدد، أن تونس اشتغلت على أكثر من ورقة دولية، ووظّفت ببراعة أحداث معركة بنزرت الدامية ديبلوماسيا، حيث حظي مآل الشكوى التي تقدمت بها ضد فرنسا إبان المعركة، باصدار قرار مجلس الأمن التابع لمنظمة لأمم المتحدة رقم 164 بتاريخ 22 جويلية 1961، والقاضي بوقف فوري لإطلاق النار وعودة جميع القوات المسلحة إلى مواقعها الأصلية التي كانت عليها قبل اندلاع المعركة.

وأفاد بأنه تبع إصدار ذلك القرار الأممي، استقطاب مساندة دول عدم الانحياز الذي كان يشكل أنذاك الحضن الدولي لكل القوى المستضعفة، فضلا عن عقد جلسة استثنائية للجمعية العامة لمنظمة لأمم المتحدة في أوت 1961، طالبت بفتح مفاوضات لإجلاء القوات الفرنسية عن بنزرت، وهو ما أحرج باريس دوليا وأجبرها على الجلاء التام رسميا في 15 أكتوبر 1963.

شهادة حية: رجوع بالذاكرة إلى ستينات القرن الماضي

ولمزيد الوقوف على حيثيات هذه المعركة الخالدة، استقت  وكالة تونس أفريقيا للأنباء شهادة حية للحاج "محمد الهادي المسعودي"، (من مواليد سنة 1936 بقرية "برج المسعودي" بمعتمدية الكريب من ولاية سليانة)، باعتباره أحد الجنود المشاركين في معركة الجلاء في بنزرت، الذي استحضر بذاكرته تلك اللحظات قائلا: "كنا نحتمي بالخنادق للصمود أمام الضربات الجوية للجيش الفرنسي.. وقد لعب العاملون في قطاع الفلاحة في محيط مدينة بنزرت دورا كبيرا في الالتحاق بسريات التطوع".

كما صرح الحاج المسعودي، في جانب آخر من حديثه، بأن الجيش الفرنسي ألحق خسائر بشرية كبيرة في صفوف العناصر التونسية، خاصة في حرب العصابات التي دارت في بنزرت المدينة، مؤكدا بنبرة اختلطت فيها الأحاسيس، أن معركة بنزرت: "هي فخر لكل التونسيين وخاصة لشباب تلك الحقبة الزمنية من مواليد ثلاثينات القرن الماضي".

معركة الجلاء ... مهد الجلاء الزراعي واكتمال أركان السيادة الوطنية

من جهتها، اعتبرت الأستاذة والباحثة التونسية المختصة في التاريخ المعاصر سعاد بن سعد، في تصريح لوكالة تونس أفريقيا للأنباء، أن عشرية الستينات من القرن الماضي هندست الشكل النهائي لدولة الاستقلال، واصفة هذه العشرية بـ"عشرية الملاحم" على حد قولها، رغم فشل تجربة التعاضد مع الوزير أحمد بن صالح (اعتماد النظام الاشتراكي وتجميع الأراضي الفلاحية والأنشطة الاقتصادية في تعاونيات كبرى لإدارة الإنتاج وتحديث الريف) وانتهائها سنة 1969.

ولاحظت سعاد بن سعد أن النجاح الرمزي لمعركة الجلاء، قد عزز حلم الانعتاق الكامل للدولة التونسية من براثن الاستعمار الآثم، من خلال استعادة حوالي 320 ألف هكتار من الأراضي من المعمرين الفرنسيين، واعلان الجلاء الزراعي في 12 ماي 1964، الذي يعد "جلاء ثانيا" مكملا للجلاء العسكري، أمضى فيها الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة قانون تأميم الأراضي الفلاحية.

 

كما اعتبرت، أن الاحتفاء سنويا بتاريخ الجلاء كموعد وطني قار، نابع من كونه نتاجا مشتركا بين إرادة حكم وطلب شعبي وإقليمي لانهاء فترة الاستعمار الاستيطاني المباشر، مؤكدة أنه مع تحقيق الجلاء العسكري والزراعي أصبح لتونس كيان سيادي مكتمل الأركان والعناصر.

وروت الباحثة، التي وثقت معركة الجلاء تاريخيا بشكل عائلي من خلال تجربة والدها "الهادي بن سعد" ابن قرية المصدور بمعتمدية بنبلة من ولاية المنستير، قصة التعبئة التي عرفتها مدن الساحل وقراها لحث المواطنين والشباب على المشاركة في حرب تحديد المصير، على حد تعبيرها، قائلة كان المنادي يصدح بين الناس بشعار "الي يعيش يعيش والي يموت يموت شهيد " (بالعامية التونسية)، مبينة أن هذه الجملة كانت بمثابة تحفيز شعبي على مواجهة القوى الاستعمارية أنذاك.

 

(وكالة تونس أفريقيا للأنباء)
 

share